العلامة المجلسي
154
بحار الأنوار
إنهم جند مغرقون ، فلما وصل فرعون قال لقومه : انظروا إلى البحر قد انفلق لهيبتي حتى أدرك أعدائي وعبيدي ، ولم تكن في خيل فرعون أنثى فجاء جبرئيل على فرس أنثى وعليه عمامة سوداء وتقدمهم وخاض البحر وظن أصحاب فرعون أنه منهم ، فلما سمعت الخيول ريحها اقتحمت البحر في أثرها ، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم ( 1 ) ويقول لهم : الحقوا بأصحابكم ، فلما أراد فرعون أن يسلك طريق البحر نهاه وزيره هامان وقال : إني قد أتيت هذا الموضع مرارا ومالي عهد بهذه الطرق ، وإني لا آمن أن يكون هذا مكرا من الرجل يكون فيه هلاكنا وهلاك أصحابنا ، فلم يطعه فرعون وذهب حاملا ( 2 ) على حصانه أن يدخل البحر ، فامتنع ونفر حتى جاء جبرئيل على رمكة بيضاء فخاض البحر فتبعها حصان فرعون ، فلما توافوا في البحر وهم أولهم بالخروج أمر الله البحر فالتطم عليهم فغرقهم أجمعين بمرأى من بني إسرائيل ، قالوا : فلما سمعت بنو إسرائيل صوت التطام البحر قالوا لموسى : ما هذه الوجبة ؟ ( 3 ) فقال لهم : إن الله سبحانه قد أهلك فرعون وكل من كان معه ، فقالوا : إن فرعون لا يموت لأنه خلق خلق من لا يموت ، ألم تر أنه كان يلبث كذا وكذا يوما لا يحتاج إلى شئ مما يحتاج إليه الانسان ؟ فأمر الله سبحانه البحر فألقاه على نجوة من الأرض وعليه درعه حتى نظر إليه بنو إسرائيل . ويقال : لو لم يخرجه الله تعالى ببدنه لشك فيه بعض الناس ، فبعث موسى جندين عظيمين من بني إسرائيل كل جند اثنا عشر ألفا إلى مدائن فرعون ، وهي يومئذ خالية من أهلها لم يبق منهم إلا النساء والصبيان والزمنى والمرضى والهرمى ، وأمر على الجند بن يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ( 4 ) فدخلوا بلاد فرعون فغنموا ما كان فيها من أموالهم وكنوزهم ، وحملوا من ذلك ما استقلت به الحمولة ( 5 ) عنها ، وما لم يطيقوا حملها باعوه من قوم آخرين ، فذلك قوله تعالى : " كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم *
--> ( 1 ) أي يسوقهم شديدا ، وفى المصدر : يستحثهم . ( 2 ) في المصدر : معاجلا . م ( 3 ) الوجبة : السقطة مع الهدة . أو صوت الساقط . وفى المصدر : هذه الضوضاء . ( 4 ) تقدم الخلاف في ضبطه . ( 5 ) أي ما أطاقته الحمولة .